القاضي التنوخي

361

الفرج بعد الشدة

قالت : أنا المهنّاة بنت الهيثم الشيباني ، وكان أبي جارا لبني فزارة ، فاعتلّ ، واستنفد ماله ، وتوفّي ، وتركني فقيرة ، فاحتجت إلى التكفّف « 2 » . قال : ورحلنا ، فلمّا صرنا بالرحبة ، دخلت إلى مالك بن طوق « 3 » مسلّما ، فسألني عن طريقي وسفري ، وما رأيته من الأعاجيب فيه ، فحدّثته بحديث الجارية ، فأعجب به ، واستطرف الأبيات ، وكتبها منّي ، ورحلت إلى منزلي بالشام . فلمّا كان بعد أيّام من اجتماعنا ، أتاني رسوله يستزيرني ، فصرت إليه ، فبينما أنا جالس عنده يوما ، فإذا خادمان قد جاءا معهما أكياس مختومة ، وتخوت ثياب مشدودة ، فوضعاها بين يديّ . فقلت لمالك : ما هذا ؟

--> ( 2 ) التكفّف : مدّ الكفّ إلى الناس للاستعطاء . ( 3 ) أبو كلثوم مالك بن طوق بن عتّاب التغلبي : أمير ، فارس ، جواد ، فصيح ، شاعر ( الأعلام 6 / 137 ) ، بنى الرحبة في خلافة المأمون ( معجم البلدان 2 / 764 ومراصد الاطلاع 2 / 608 ) وإليه تنسب ، وولّي أمرة دمشق للمتوكّل في السنة 232 ( فوات الوفيات 2 / 294 ومعجم الأنساب والأسرات الحاكمة 43 ) ولما اختصم المستعين والمعتز ، كان في جانب المستعين ( الطبري 9 / 287 وابن الأثير 7 / 142 وتجارب الأمم 6 / 579 ) وتوفّي في الرحبة ، سنة 260 ( ابن الأثير 7 / 274 ) أقول : أورد ياقوت رحمه اللّه في معجم البلدان 2 / 764 عند حديثه عن الرحبة ، قصّة خلاصتها أنّ مالك بن طوق كان من ندماء الرشيد ، وأنّه رافقه في حرّاقة في الفرات ، وأنّ الرشيد منحه أرض الرحبة ، فبناها ، وأنّه عصى بعد ذلك على الرشيد ، فحاربه ، وأسره ، ثم منّ عليه وأطلقه ، ونقل عنه القصّة صاحب فوات الوفيات في ترجمة مالك بن طوق 2 / 294 ، وهذا القول لا يعلق بقبول ، فإنّ من ينادم هارون الرشيد لا بد أن يكون قد تجاوز العشرين ، وآخر مرّة مرّ فيها الرشيد بالفرات ، في السنة 190 لما غزا الصائفة ( الطبري 7 / 319 ) وحيث أنّ مالك بن طوق توفي في السنة 260 فيقتضي أن يكون قد تجاوز التسعين من عمره ، يضاف إلى ذلك أنه لا يوجد ذكر للرحبة في كتب التاريخ في أيّام الرشيد مطلقا ، والقصّة والشعر اللذان أوردهما ياقوت وصاحب فوات الوفيات ، حصلت بين المعتصم وبين أحد الخارجين عليه ، وهو تميم بن جميل السدوسي ، راجع القصّة رقم 393 من هذا الكتاب ، وكتاب المستجاد من فعلات الأجواد 117 - 119 .